اضطراب الشخصية الاجتنابي
اضطراب الشخصية الاجتنابي ويُعرف أيضاً باضطراب الشخصية التجنبية، ويُصنف ضمن المجموعة الثالثة من اضطرابات الشخصية وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)
. يتميز هذا الاضطراب بنمط دائم من القلق الاجتماعي، التثبيط في التفاعل مع الآخرين، الشعور بالدونية، والحساسية المفرطة تجاه النقد أو الرفض.
يعاني الأفراد المصابون به من شعور دائم بعدم الارتياح في العلاقات الاجتماعية، ويصفون أنفسهم بأنهم قلقون، منعزلون، وغير مرحب بهم من قبل الآخرين. غالبًا ما ينظرون إلى أنفسهم على أنهم غير كفء اجتماعيًا أو غير جذابين، ويتجنبون التفاعل خوفًا من السخرية أو الرفض أو الإهانة.
بداية ظهور الأعراض
عادةً ما تبدأ أعراض هذا الاضطراب في مرحلة البلوغ المبكرة، وقد ترتبط بتجارب الطفولة مثل الإهمال العاطفي من الوالدين أو التعرض للتنمر والرفض من الأقران، ما يزيد من احتمال الإصابة.
العلاقة مع الرهاب الاجتماعي
هناك جدل مستمر حول ما إذا كان اضطراب الشخصية الاجتنابي يُعد حالة مختلفة عن اضطراب القلق الاجتماعي المعمم، أم أنه يمثل شكلاً أكثر شدة منه. فكلا الاضطرابين يشتركان في الأعراض الأساسية مثل الخجل المفرط، الحساسية للنقد، وصعوبة تكوين العلاقات، إلا أن الاضطراب الاجتنابي يتميز بكونه جزءًا من سمات الشخصية، وليس مجرد حالة عابرة من القلق.
لمحة تاريخية
تمت الإشارة إلى سمات هذا الاضطراب منذ أوائل القرن العشرين. فقد وصف الطبيب النفسي السويسري “أويغن بلولر” حالات مشابهة عام 1911، بينما قدّم “كرتشمر” عام 1921 وصفًا دقيقًا له، مميزًا إياه عن اضطرابات أخرى مثل اضطراب الشخصية الفصامية.
العلامات والأعراض
- الخوف الشديد من النقد أو الرفض.
- العزلة الاجتماعية رغم الرغبة في إقامة علاقات.
- القلق والخجل في المواقف الاجتماعية.
- الشعور بعدم الكفاءة والدونية.
- تجنب العلاقات الحميمة خوفًا من الإحراج.
- الحساسية المفرطة تجاه التقييم السلبي.
- الانسحاب العاطفي والشعور بالوحدة.
- اللجوء إلى الخيال كوسيلة للهروب من الواقع.
- مشكلات في الأداء المهني والتواصل اليومي.
التشخيص
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (ICD-10):
يُشخّص اضطراب الشخصية الاجتنابي عندما تظهر أربعة على الأقل من الخصائص التالية:
- الشعور المستمر بالتوتر والتوجس.
- الاعتقاد بعدم الكفاءة الاجتماعية أو الجاذبية الشخصية.
- الانشغال الدائم بالخوف من النقد أو الرفض.
- صعوبة في بناء علاقات إلا مع من يثقون بهم.
- تقليل الانخراط الاجتماعي لتجنب المخاطر.
- تجنب الأنشطة التي تتطلب تفاعلاً مع الآخرين.
وفقًا لجمعية الطب النفسي الأمريكية (DSM-IV):
يتطلب التشخيص توفر أربع سمات على الأقل من الآتية:
- تجنب المواقف التي تتطلب تفاعلًا اجتماعيًا خوفًا من النقد.
- الانغلاق على الذات إلا مع من يشعر الشخص تجاههم بالأمان.
- الحذر في العلاقات الحميمة خوفًا من الإذلال.
- انشغال دائم بالرفض الاجتماعي.
- خجل واضح ناتج عن مشاعر العجز.
- الشعور بالدونية.
- التردد في خوض تجارب جديدة خشية الإحراج.
الأسباب المحتملة
لم تُحدد أسباب دقيقة، لكن يُعتقد أن التفاعل بين العوامل الوراثية، البيئية، والتربوية يساهم في تطور الاضطراب. وتشير الأبحاث إلى أن المزاج الخجول أو المثبط في الطفولة قد يكون عامل خطر، بالإضافة إلى التعرض لرفض الوالدين أو الأقران.
أنواع فرعية بحسب ميلون
حدد عالم النفس “ثيودور ميلون” أربعة أنماط فرعية لاضطراب الشخصية الاجتنابي:
النوع | السمات المميزة |
---|---|
الرهابي (مع سمات اعتمادية) | تجنب مفرط، تبلد شعوري، قلق عام موجه لمحفزات محددة. |
المتناقض (مع سمات سلبية) | صراع داخلي، توتر عاطفي، غضب مكبوت، حيرة وتردد. |
شديد الحساسية (مع سمات زورانية) | حذر شديد، خوف مفرط، حساسية مفرطة تجاه النقد. |
الخاذل لذاته (مع سمات اكتئابية) | جلد الذات، اجترار الأفكار السلبية، ميول انتحارية في الحالات القصوى. |
التشخيص التفريقي
من الضروري التمييز بين هذا الاضطراب واضطرابات أخرى مثل:
- اضطراب القلق الاجتماعي.
- اضطراب الشخصية الاعتمادية.
- اضطراب الشخصية الفصامية.
- اضطراب الشخصية الزورانية.
ويتميز اضطراب الشخصية الاجتنابي عن الرهاب الاجتماعي بأنه أكثر تجذرًا في سمات الشخصية وليس فقط استجابة ظرفية.
التواكب المرضي
غالبًا ما يترافق هذا الاضطراب مع اضطرابات القلق الأخرى، مثل:
- الرهاب الاجتماعي (20–40% من الحالات).
- اضطراب القلق العام (بنسبة تصل إلى 45%).
- اضطراب الوسواس القهري (حتى 56%).
- نوبات الهلع ورهاب الأماكن (10–50%).
العلاج
تشمل الخيارات العلاجية:
- العلاج المعرفي السلوكي: لتعديل الأفكار السلبية وتحسين تقدير الذات.
- التدريب على المهارات الاجتماعية: لتحسين التفاعل مع الآخرين.
- العلاج الجماعي: لتوفير بيئة آمنة للتفاعل والتغلب على الخوف.
- العلاج الدوائي: مثل مثبطات استرجاع السيروتونين أو مثبطات MAOI لتحسين الحالة المزاجية وتقليل القلق.
تُعد الثقة بين المريض والمعالج أمرًا أساسيًا لنجاح العلاج، إذ يميل المصابون إلى الانسحاب في حال شعروا بعدم الأمان أو الخوف من الرفض.
الانتشار
تُشير التقديرات إلى أن اضطراب الشخصية الاجتنابي يؤثر على حوالي 1% إلى 5% من عموم السكان. أما بعض الدراسات الأمريكية فذكرت معدلات انتشار تصل إلى 36% بين المرضى النفسيين، ويُلاحظ وجوده لدى 10% من المرضى في العيادات الخارجية النفسية.