الاكتئاب عند الأطفال: علامات خفية قد لا تلاحظها
في عالمنا المتسارع، لم يعد الضغط النفسي حكراً على البالغين، بل امتد ليشمل الأطفال في مراحل عمرية مبكرة. اكتئاب الأطفال هو اضطراب مزاجي جدي يتجاوز مجرد الشعور بالحزن العابر، وإذا لم يتم التعامل معه بوعي، فقد يؤثر على نمو الطفل النفسي والاجتماعي لسنوات طويلة. تكمن الصعوبة الكبرى في أن الطفل غالباً ما يفتقر للغة التي تمكنه من شرح ما يشعر به، فتظهر معاناته في صورة سلوكيات غريبة أو شكاوى جسدية.
الفرق الجوهري بين الحزن الطبيعي والاكتئاب من الضروري أن يدرك الوالدان أن الحزن جزء طبيعي من التجربة الإنسانية؛ فالطفل يحزن عند فقدان قطته أو عند تشاجره مع صديق. لكن الاكتئاب يتميز بـ “الاستمرارية” و”الشمولية”، فهو حالة من الضيق تلازم الطفل لأسبوعين أو أكثر، وتؤثر على جميع جوانب حياته (البيت، المدرسة، واللعب)، ولا تتحسن حالته حتى عند محاولة ترفيهه أو تقديم ما يحبه.
تواصل معنا
العلامات الخفية والذكية للاكتئاب عند الأطفال
بجانب الأعراض المعروفة، هناك “أقنعة” يرتديها الاكتئاب في سن الطفولة، منها:
- نوبات الغضب والعدوانية المفاجئة: في كثير من الأحيان، يكون الطفل المكتئب طفلاً “غاضباً” وليس حزيناً. قد يبدأ في تحطيم ألعابه، أو الصراخ في وجه والديه، أو الشجار مع أقرانه دون سبب واضح. هذا الغضب هو في الحقيقة “صرخة استغاثة” داخلية.
- تراجع القدرات الذهنية والتركيز: قد تلاحظ المعلمة أن الطفل أصبح “سارحاً” أو يجد صعوبة في تذكر المعلومات البسيطة. الاكتئاف يستهلك طاقة الدماغ، مما يجعل التحصيل الدراسي عبئاً ثقيلاً يؤدي لتراجع مفاجئ في الدرجات.
- الاضطرابات الجسدية الغامضة (السيكوسوماتية): يترجم عقل الطفل الألم النفسي إلى ألم جسدي. الشكوى المتكررة من الصداع، آلام البطن، أو الغثيان، خاصة في الصباح الباكر، دون وجود سبب طبي واضح، هي علامة كلاسيكية للاكتئاب والقلق.
- الانسحاب الاجتماعي التدريجي: الطفل الذي كان يحب التجمعات العائلية أو الذهاب للنادي، يبدأ في تفضيل البقاء وحيداً في غرفته. قد يرفض الرد على اتصالات أصدقائه ويشعر بعبء كبير عند الوجود في وسط اجتماعي.
- الحساسية المفرطة تجاه الرفض: المكتئب الصغير يشعر دائماً بأنه “غير كافٍ”، لذا فإن أي توجيه بسيط أو رفض لطلب ما، قد يراه الطفل دليلاً قاطعاً على أن والديه لا يحبانه، مما يدخله في نوبة بكاء مريرة.
- انخفاض الطاقة والجهد: قد يبدو الطفل “كسولاً”، لكنه في الحقيقة يعاني من إجهاد حقيقي. يجد صعوبة في القيام بمهامه اليومية البسيطة مثل ترتيب غرفته أو حتى غسل أسنانه.
تواصل معنا
لماذا يصاب الأطفال بالاكتئاب؟ تتداخل عدة عوامل لتؤدي لهذه الحالة، أهمها:
- الكيمياء الحيوية: نقص في بعض الناقلات العصبية في الدماغ مثل السيروتونين المسؤولة عن تنظيم المزاج.
- الضغوطات البيئية: مثل تعرض الطفل للتنمر المستمر، أو الضغط الدراسي الهائل، أو فقدان شخص عزيز.
- البيئة الأسرية: الخلافات المستمرة بين الوالدين أو أساليب التربية القاسية التي تعتمد على النقد الدائم واللوم.
تواصل معنا
كيف يمكن للوالدين تقديم الدعم الحقيقي؟
أولاً: التحقق من المشاعر وتسميتها. بدلاً من قول “لا تبكِ، الأمر بسيط”، يمكن قول: “أنا أشعر أنك لست بخير اليوم، هل تشعر بالحزن أو الضيق؟ أنا هنا لأسمعك”. تسمية المشاعر تساعد الطفل على فهم ما يمر به.
ثانياً: بناء جسور الثقة. خصص وقتاً يومياً للحديث مع طفلك بعيداً عن الشاشات والواجبات المدرسية. اجعل هذا الوقت مخصصاً للمرح فقط، ليشعر الطفل أن وجوده بحد ذاته يسعدك.
ثالثاً: تشجيع النشاط البدني. الحركة والرياضة تساعدان الدماغ على إفراز هرمونات السعادة (الإندورفين) بشكل طبيعي، مما يحسن المزاج العام للطفل تدريجياً.
رابعاً: طلب الاستشارة المختصة. إذا لاحظت أن الأعراض تعيق حياة طفلك، فلا تتردد في استشارة أخصائي نفسي. العلاج المبكر يقي الطفل من تفاقم الحالة في مرحلة المراهقة، وغالباً ما يعتمد العلاج مع الأطفال على “اللعب” و”الرسم” لتفريغ الشحنات النفسية وتعديل السلوك.
خاتمة اكتئاب الأطفال ليس وصمة عار، ولا يعني تقصيراً من الوالدين بالضرورة، بل هو اضطراب يحتاج إلى تفهم وصبر وعلاج. بالحب والاحتواء والمساعدة المهنية، يمكن للطفل أن يستعيد بريق عينيه وضحكته من جديد.





